جريمة في البصرة القديمة
تاريخ النشر: الإثنين 23 تشرين الثاني (نوفمبر) 2009
تعودت ان اخرج كل صباح بحدود الساعة السابعة والنصف الى محل عملي، وكنت في أكثر الايام اشاهد جاري القديم يخرج الى محل عمله ايضا، أنا أذهب الى دائرتي التي تقع في المنطقة التي اسكنها، وهو يذهب الى البصرة القديمة مع ثلاثة من أولاده لممارسة عمله في الصيرفة التي انتعش سوقها بعد سقوط النظام..
يناهز عمر السيد ابو زياد (طارق الموسوي) الاربعين عاماً أو اكثر بقليل، على الرغم من علاقاته الواسعة، إلا انه يقضي معظم وقته في كسب قوت يومه، إذ انه يدير عائلة كبيرة مكونة من سبعة أفراد فضلاً عن والدته المسنة التي تسكن معه. اكبر أبنائه زياد وعلي وقد تزوجوا معا قبل اشهر قليلة، اما محمد فلا زال يافعا لا يتجاوز عمره السادسة عشر ربيعاً..
صباح يوم الثلاثاء 6/10 خرجت على غير عادتي، توجهت في الساعة السابعة الى البصرة القديمة لايصال معاملة صديق الى احدى الدوائر، الساعة السابعة والربع وصلت البصرة وقريبا من سوقها كان السيد ابو زياد قد وصل للتو ايضاً الى محل عمله.. سلمت عليه ورد السلام، لم أبتعد أكثر من عشرين متراً إلا وصوت الرصاص اخذ ينهمر خلفي احتميت بسيارة واقفة واخذت انظر ماذا حدث؟
ثلاثة رجال يلبسون ملابس رثة وتنقب كل منهم بـ (كوفية) رثة يحمل كل منهم مسدس بدأوا باطلاق النار على السيد طارق وولديه، فقتل السيد طارق بالحال بعد اصابته بتسعة اطلاقات اثنتان منها في الرأس، أما الفتى محمد فاختبأ خلف جاره، فتوجه اليه أحد المجرمين لقتله فقال له الرجل: انه طفل، فقام المسلح باطلاق النار على الرجل فاصابه بيده، ثم اطلق رصاصتين على قلب الفتى المسكين ليقف الى الأبد!!
أما علي الشاب البالغ من العمر 20 ربيعاً والمتزوج حديثاً، فقد فرّ الى داخل السوق متوقعاً ان الازدحام (والغيرة الشهامة العراقية) ستحفظه من القتلة، فقام احد المجرمين مهرولاً وراءه، مطلقاً عدة عيارات نارية لتفريق الناس وعلى بعد مئة 50 متراً داخل السوق استطاع من اصابته بثلاثة اطلاقات واحدة في القدم والثانية في الكتف والثالثة في الظهر وعندما حاول اطلاق الرصاصة الرابعة كان مسدسه قد نفذ عتاده، فولى راجعاً الى رفيقيه!!
قام الثلاثة بعدها بأخذ الحقيبة الحاوية على مبلغ من المال اختلف الناس بتقديره، وراحوا (يتمشون براحتهم) داخل أحد ازقة البصرة القديمة دون أن يرف لهم جفن!!!
هذه تفاصيل الجريمة البشعة التي حدثت صباح امس، وكنت شاهد عيان عليها، ولا أخفيكم سراً، لقد أخذ حسمي يرتجف من هول ما شاهدته، كأني اشاهد فلماً من افلام المافيا الايطالية التي كانت تعرض على شاشات السينما البصرية القديمة.. على الرغم من اني شاهدت العشرات من حالات العنف والتفجيرات والقتلى المرميين في المزابل، لكن لم تثرني كما أثارتني هذه الحادثة..
- قتل بدم بارد، ولم يكفي المجرمون بقتل الأب، بل قاموا بتصفية الابن الصغير وحاولوا تصفية ابنه الثاني..
- جريمة القتل وقعت في مكان يقع بين موقعين عسكريين، الاول هو مركز شرطة البصرة الذي يبعد 200 متر فقط عن محل الحادث، والموقع الثاني هو سيطرة الجيش الواقعة على رأس شارع بشار على بعد 100 متر فقط من موقع الحادث!!
فأين ذهب أبطال صولة الفرسان، ابطال الجيش العراقي عن هذه الجريمة البشعة ؟! نعم انا اشهد انهم جاءوا بعد ربع ساعة على وقوع الجريمة ولكن اين كانوا ؟ أحد المواطنين قال انه ذهب اليهم وابلغهم الحبر ولكن أحدهم اجاب بأن (هذا ليس من مسؤوليتنا!).
- الغيرة والشهامة العراقية التي يتغنى بها العراقيون قديما وحديثاً (ومنهم أنا كاتب هذه الكلمات)، أين حلت واين ذهبت في تلك اللحظات، فاذا احتج احدهم بانه يحتمل ان يقتل من قبل الجناة، لكن اين ذهبت الناس عن الشخص الذي اخذ يطارد الابن الثاني للضحية داخل السوق ولم يتركه الا حين نفذ عتاده!!
ألم يستطع الناس القبض عليه او التصدي له!! اتذكر حادثة دونها السيد حسن الأمين في كتاب قرأته قبل اكثر من ثلاثة عقود اعتقد ان اسمه (المغول، أو تأريخ المغول) يتحدث عن غزو المغول للعراق، يقول السيد الامين رحمه الله: كان الجندي المغولي يتجول في شوارع بغداد مخموراً وبدون سلاح، فاذا أراد ان يقتل عراقياَ يقول له اجثو على قدميك، ويذهب باحثاً عن صخرة كبيرة ليحملها ويأتي بعدها ويضرب العراقي على رأسه!! ويبقى هذا العراقي الغيور ينتظر المغولي (يضيف السيد الامين مخاطباً العراقي: اهرب على الأقل!!)، فذلك أضعف الايمان!
- للأسف لا زال تقصير الحكومة واضحاً في هذا المجال، خصوصا دعمها اللامتناهي للعشائر وزيادة قوتها (من اجل ضمان اصواتها في الانتخابات)، وإلا لماذا لا يطبق القانون في 90% من هذه الحالات، سألت أحد الصرافين القريبين من الضحية لماذا لم تفعل شيئا وانت تملك سلاحاً والجناة رحلوا بهدوء بعد أن اخفوا اسلحتهم، فقال لاني اعرف ان عشائرهم سوف لا تتركني فمن (كوامة) الى (عطوة) و (فصل) هذا في حالة لم يرسلوا شخصاً لقتلي.
لقد عاد العراق الى حكم العشيرة، وأوامر شيخ العشيرة الان اكثر طاعة والتزاما من أوامر الدولة، على الرغم من عشرات السيطرات العسكرية التي تملأ طرق البصرة وشوارعها الداخلية.
وأخيراً هل تعود البصرة الى حالة انعدام الأمن، وكثرة اللافتات السوداء التي تنعى الضحايا الذين رحلوا (اثر حادث مؤسف وجبان وغادر).. العلم عند الله ودولة القانون!!
|